ابن كثير

12

البداية والنهاية

ثم دخلت سنة تسعين وخمسمائة لما استقر الملك الأفضل بن صلاح الدين مكان أبيه بدمشق ، بعث بهدايا سنية إلى باب الخليفة الناصر ، من ذلك سلاح أبيه وحصانه الذي كان يحضر عليه الغزوات ، ومنها صليب الصلبوت الذي استلبه أبوه من الفرنج يوم حطين ، وفيه من الذهب ما ينيف على عشرين رطلا مرصعا بالجواهر النفيسة ، وأربع جواري من بنات ملوك الفرنج ، وأنشأ له العماد الكاتب كتابا حافلا يذكر فيه التعزية بأبيه ، والسؤال من الخليفة أن يكون في الملك من بعده ، فأجيب إلى ذلك . ولما كان شهر جمادى الأولى قدم العزيز صاحب مصر إلى دمشق ليأخذها من أخيه الأفضل فخيم على الكسوة يوم السبت سادس جمادى ، وحاصر البلد ، فمانعه أخوه ودافعه عنها ، فقطع الأنهار ونهبت الثمار ، واشتد الحال ، ولم يزل الامر كذلك حتى قدم العادل عمهما فأصلح بينهما ، ورد الامر للألفة بعد اليمين على أن يكون للعزيز القدس وما جاور فلسطين من ناحيته أيضا ، وعلى أن يكون جبلة واللاذقية للظاهر صاحب حلب ، وأن يكون لعمهما العادل أقطاعه الأول ببلاد مصر مضافا إلى ما بيده من الشام والجزيرة كحران والرها وجعبر وما جاور ذلك ، فاتفقوا على ذلك ، وتزوج العزيز بابنة عمه العادل ، ومرض ثم عوفي وهو مخيم بمرج الصفر ، وخرجت الملوك لتهنئته بالعافية والتزويج والصلح ، ثم كر راجعا إلى مصر لطول شوقه إلى أهله وأولاده ، وكان الأفضل بعد موت أبيه قد أساء التدبير فأبعد أمراء أبيه وخواصه ، وقرب الأجانب وأقبل على شرب المسكر واللهو واللعب ، واستحوذ عليه وزيره ضياء الدين بن الأثير الجزري ، وهو الذي كان يحدوه إلى ذلك ، فتلف وأتلفه ، وأضل وأضله ، وزالت النعمة عنهما كما سيأتي . وفيها كانت وقعة عظيمة بين شهاب الدين ملك غزنة وبين كفار الهند ، أقبلوا إليه في ألف ألف مقاتل ، ومعهم سبعمائة فيل منها فيل أبيض لم ير مثله ، فالتقوا فاقتتلوا قتالا شديدا لم ير مثله ، فهزمهم شهاب الدين عند نهر عظيم يقال له الملاحون ( 1 ) ، وقتل ملكهم واستحوذ على حواصله وحواصل بلاده وغنم فيلتهم ودخل بلد الملك الكبرى ، فحمل من خزانته ذهبا وغيره على ألف وأربعمائة جمل ، ثم عاد إلى بلاده سالما منصورا . وفيها ملك السلطان خوارزم شاه تكش - يقال له ابن الاصباعي - بلاد الري وغيرها ، واصطلح مع السلطان طغرلبك السلجوقي وكان قد تسلم بلاد الري وسائر مملكة أخيه سلطان شاه وخزائنه ، وعظم شأنه ، ثم التقى هو والسلطان طغرلبك في ربيع الأول من هذه السنة . فقتل

--> ( 1 ) في الكامل 12 / 105 : ماجون ، وهو نهر كبير يقارب دجلة بالموصل . وفي معجم البلدان : ماجان : نهر يشق مدينة مرو .